العيني

49

عمدة القاري

أنه يحتمل أن يكون معنى الإدراك في الصبيان الذين يدركون ، يعني يبلغون قبل طلوع الشمس ، والحيض اللاتي يطهرن ، والنصارى الذين يسلمون ، لأنه لما ذكر في هذا الإدراك ولم يذكر الصلاة فيكون هؤلاء الذين سميناهم ومن أشبههم مدركين لهذه الصلاة ، فيجب عليهم قضاؤها ، وإن كان الذي بقي عليهم من وقتها أقل من المقدار الذي يصلونها فيه . فإن قلت : فما تقول فيما رواه أبو سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته ) . رواه البخاري والطحاوي أيضا فإنه صريح في ذكر البناء بعد طلوع الشمس ؟ قلت : قد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ما لم تتواتر بإباحة الصلاة عند ذلك ، فدل ذلك على أن ما كان فيه الإباحة كان منسوخا بما كان فيه التواتر بالنهي . فإن قلت : ما حقيقة النسخ في هذا والذي تذكره احتمال ؟ وهل يثبت النسخ بالاحتمال ؟ قلت : حقيقة النسخ هنا أنه اجتمع في هذا الموضع محرم ومبيح ، وقد تواترت الأخبار والآثار في باب المحرم ما لم تتواتر في باب المبيح ، وقد عرف من القاعدة أن المحرم والمبيح إذا اجتمعا يكون العمل للمحرم ، ويكون المبيح منسوخا ، وذلك لأن الناسخ هو المتأخر ، ولا شك أن الحرمة متأخرة عن الإباحة لأن الأصل في الأشياء الإباحة ، والتحريم عارض ، ولا يجوز العكس لأنه يلزم النسخ مرتين . فافهم . فإنه كلام دقيق قد لاح لي من الأنوار الإلهية . فان قلت إنما ورد النهي المذكور عن الصلاة في التطوع خاصة وليس بنهي عن قضاء الفرائض قلت : دل حديث عمران بن حصين الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما على أن الصلاة الفائتة قد دخلت في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، وعن عمران أنه قال : ( سرينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، أو قال : في سرية ، فلما كان آخر السحر عرسنا ، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس . . . ) الحديث ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم أخر صلاة الصبح حتى فاتت عنهم إلى أن ارتفعت الشمس ، ولم يصلها قبل الارتفاع ، فدل ذلك أن النهي عام يشمل الفرائض والنوافل ، والتخصيص بالتطوع ترجيح بلا مرجح . ومنها : أي : من الأحكام : أن أبا حنيفة ومن تبعه استدلوا بالحديث المذكور أن آخر وقت العصر هو غروب الشمس ، لأن من أدرك منه ركعة أو ركعتين مدرك له ، فإذا كان مدركا يكون ذلك الوقت من وقت العصر لأن معنى قوله : ( فقد أدرك ) ، أدرك وجوبها ، حتى إذا أدرك الصبي قبل غروب الشمس أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض تجب عليه صلاة العصر ، ولو كان الوقت الذي أدركه جزأ يسيرا لا يسع فيه الأداء ، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس . وقال زفر : لا يجب ما لم يجد وقتا يسع الأداء ، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس . وقال زفر : لا يجب ما لم يجد وقتا يسع الأداء فيه حقيقة ، وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلاً : أحدهما : ، لا يلزمه ، والآخر : يلزمه ، وهو أصحهما . ومنها : أنهم اختلفوا في معنى الإدراك . هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت في أقل من ركعة ؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة ، وهو أحد قولي الشافعي : إلى أنه لا يدرك شيئا من ذلك بأقل من ركعة ، متمسكين بلفظ الركعة ، وبما في ( صحيح ) ابن حبان عن أبي هريرة : ( إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوها ولا تعدوها شيئا ، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة ) . وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قول : إلى أنه يكون مدركا لحكم الصلاة . فإن قلت : قيد في الحديث بركعة فينبغي أن لا يعتبر أقل منها ؟ قلت : قيد الركعة فيه خرج مخرج الغالب ، فإن غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة أو نحوها ، حتى قال بعض الشافعية : إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الركعة البعض من الصلاة ، لأنه روي عنه : ( من أدرك ركعة من العصر . . . ) و : ( من أدرك ركعتين من العصر ) ، ( ومن أدرك سجدة من العصر ) ، فأشار إلى بعض الصلاة مرة : بركعة ، ومرة : بركعتين ، ومرة بسجدة . والتكبيرة في حكم الركعة لأنها بعض الصلاة ، فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة . وقال القرطبي : واتفق هؤلاء ، يعني أبا حنيفة وأبا يوسف والشافعي في قول ، على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل الغروب ، واختلفوا في الظهر ، فعند الشافعي في قول : هو مدرك بتكبيرة لها لاشتراكهما في الوقت ، وعنه أنه بتمام القيام للظهر يكون قاضيا لها بعد ، واختلفوا في الجمعة ، فذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وزفر ومحمد والشافعي وأحمد إلى أن : من أدرك منها ركعة أضاف إليها أخرى . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين ، وهو قول النخعي والحكم وحماد ، وأغرب عطاء ومكحول وطاووس ومجاهد فقالوا : إن من فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلي أربعا ، لأن الجمعة إنما قصرت من أجل الخطبة :